الشيخ الطوسي

84

التبيان في تفسير القرآن

والاختلاف هو اعتقاد كل واحد نقيض ما يعتقده الآخر ، وهو ما لا يمكن أن يجتمعا في الصحة وان أمكن ان يجتمعا في الفساد ، ألا ترى أن اليهودية والنصرانية لا يجوز أن يكونا صحيحين مع اتفاقهما في الفساد ، ويجوز أن يكون في اختلاف أهل أملل المخالفة للاسلام حق ، لان باعتقاد اليهودي ان النصرانية باطلة واعتقاد النصراني ان اليهودية فاسدة حق . وقوله " الا من رحم ربك " استثناء منقطع ، ولذلك جعل رأس آية ، ولو كان متصلا لم يجز ذلك ، وإنما كان استثناء منقطعا ، لان الأول على أنهم يختلفون بالباطل ، وليس كذلك من رحم لاجتماعهم على الحق . والمعنى " ولا يزالون مختلفين " بالباطل " الا من رحم ربك " بفعل اللطف لهم الذي يؤمنون عنده ويستحقون به الثواب ، فان من هذه صورته ناج من الاختلاف بالباطل . وقوله " ولذلك خلقهم " قيل في معناه قولان : أحدهما - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك ان المراد وللرحمة خلقهم وليس لاحد ان يقول لو أراد ذلك لقال : ولتلك خلقهم لان الرحمة مؤنثة اللفظ وذلك أن تأنيث الرحمة ليس بتأنيث حقيقي ، وما ذلك حكمه جاز ان يعبر عنه بالتذكير ، ولذلك قال الله تعالى " ان رحمة الله قريب من المحسنين " ( 1 ) ولم يقل قريبة على أنه لا يمتنع أن يكون المراد : ولان يرحم خلقهم ، لان الرحمة تدل على ذلك ، فعلى هذا يكون التذكير واقعا موقعه . الثاني - أن يكون اللام لام العاقبة ، والتقدير أنه خلقهم وعلم أن عاقبتهم . تؤل إلى الاختلاف المذموم ، كما قال " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " ( 2 ) وكما قلنا في قوله " ولقد ذرأنا لجهنم " ( 3 ) وهو المروي عن ابن عباس والحسن وعطاء ومالك ، وقد يكون اللام بمعنى ( على ) كقولك أكرمتك على

--> ( 1 ) سورة الأعراف آية 56 . ( 2 ) سورة القصص آية 8 . ( 3 ) سورة الأعراف آية 179 .